العلامة المجلسي

150

بحار الأنوار

وتجافى عن لذاتها ، ورغب في دائم نعيم الآخرة ، وسعى لها سعيها ، وراقب الموت ، وشنأ الحياة مع القوم الظالمين ، فعند ذلك نظر إلى ما في الدنيا بعين نيرة حديدة النظر ( 1 ) وأبصر حوادث الفتن ، وضلال البدع ، وجور الملوك الظلمة ، فقد لعمري استدبرتم من الأمور الماضية في الأيام الخالية من الفتن المتراكمة ، والانهماك فيها ما تستدلون به [ على ] تجنب الغواة وأهل البدع والبغي والفساد في الأرض بغير الحق . فاستعينوا بالله ، وارجعوا إلي طاعته وطاعة من هو أولى بالطاعة من طاعة من اتبع وأطيع . فالحذر الحذر من قبل الندامة والحسرة ، والقدوم على الله ، والوقوف بين يديه . وتالله ما صدر قوم قط عن معصية الله إلا إلى عذابه ، وما آثر قوم قط الدنيا على الآخرة إلا ساء منقلبهم وساء مصيرهم . وما العلم بالله ( 2 ) والعمل بطاعته إلا إلفان مؤتلفان ، فمن عرف الله خافه ، فحثه الخوف على العمل بطاعة الله ، وإن أرباب العلم واتباعهم الذين عرفوا الله فعملوا له ورغبوا إليه وقد قال الله : " إنما يخشى الله من عباده العلماء ( 3 ) " فلا تلتمسوا شيئا مما في هذه الدنيا بمعصية الله ، واشتغلوا في هذه الدنيا بطاعة الله ، واغتنموا أيامها واسعوا لما فيه نجاتكم غدا من عذاب الله ، فإن ذلك أقل للتبعة ، وأدنى من العذر وأرجى للنجاة . فقدموا أمر الله وطاعته وطاعة من أوجب الله طاعته بين يدي الأمور كلها ولا تقدموا الأمور الواردة عليكم من طاعة الطواغيت ، وفتنة زهرة الدنيا بين يدي أمر الله وطاعته وطاعة أولي الامر منكم ، واعلموا أنكم عبيد الله ونحن معكم ، يحكم علينا وعليكم سيد حاكم غدا وهو موقفكم ومسائلكم ، فأعدوا الجواب قبل الوقوف والمسألة والعرض على رب العالمين " يومئذ لا تكلم نفس إلا بإذنه " . واعلموا أن الله لا يصدق كاذبا ، ولا يكذب صادقا ، ولا يرد عذر مستحق ،

--> ( 1 ) في بعض النسخ والروضة " بعين قرة " . ( 2 ) في بعض النسخ والأمالي " وما العز بالله " . ( 3 ) سورة فاطر : 25 .